وجوه

ليلى رستم.. أيقونة الأيام الذهبية لـ ماسبيرو‎

ولاء مطاوع ليلى رستم
جميلة مثل لوحة في قلب متحف، ذات عينين شديدتي الذكاء، تستطيع أن تدير حوارًا بلباقة فطرية وعفوية كما تصف نفسها بأن الله قد منحها هذه النعمة، وقد استطاعت هي الإفادة منها على مدار سنوات عملها سواء بالتلفزيون المصري أو اللبناني وإن كانت برامجها في الأخير لم تنتشر بالشكل الكافي، إنها ليلى رستم ، ابنة المهندس عبد الحميد رستم، وعمها الفنان الكبير زكي رستم، أيقونة العصر الذهبي لماسبيرو، التي يوافق اليوم 11 فبراير ذكرى ميلادها في عام 1937.

ليلى رستم

بيت عائلة رستم والنزعة التركية..

ولدت ليلى رستم لعائلة مصرية تركية ثرية، نشأت في منزل المهندس عبد الحميد(بِك) رستم، قدوتها في الحياة كما تقول، المهندس الذي شهد له الجميع بدماثة الخلق ورحابة الصدر والحس الفكاهي، على عكس العم “زكي” الذي وهب حياته كاملة لفنه وكان يشتهر عنه الهدوء وحب العزلة، كانت “ليلى” الفتاة المدللة لأبيها الذي كان يطلب من والدتها ألا تعتبرها مثل باقي الفتيات فهو يراها مختلفة، وإذا سمع زوجته تحدثها بما لا يراه مناسبًا قال لها: “يا سونة متتكلميش مع ليلى كدا هي ليها لغة تانية مش زي بقية البنات خليني انا اكلمها”.

أما عن جدتها التي كانت تحيا في مطلع القرن العشرين، فوجدت سلوك ابنها الفنان زكي رستم غير ملائم للتقاليد وقتها، فهو يعود للمنزل في أوقات متأخرة، ربما من المسرح أو من الاستوديو بعد مسرحية أو فيلم يقوم بتصويره، فأخبرته والدته بأن ذلك لا يصح، وخيرته بين أمرين إما أن يستقر معهم بالمنزل ويلتزم بالتقاليد، أو يعتزلهم ويستقر في منزل مستقل بعيدًا عنهم حتى لا يؤثر على زواج أختيه في ذلك الوقت، فاختار العم “عمارة يعقوبيان” كمستقر له، واشتهر بحبه للبلياردو، واتخذ من فنه زوجة وطلق ما عداه.

حياة ثرية بالترحال..

عاشت ليلى بين القاهرة التي كان فيها ميلادها، والإسكندرية التي انتقلت إليها بسبب ظروف عمل والدها، والفترة التي قضتها في مدينة المنصورة، حيث التحقت بالمدرسة العريقة، مدرسة العائلة المقدسة والتي لا تزال موجودة إلى الآن، وهناك تعلمت المفتاح الأول الذي ساعدها على عملها كمذيعة للنشرة، والنصيحة التي تلقتها بالمدرسة هي “خلي عنيكي دايمًا سابقة السطر”، لتعتني جيدًا بها وتصبح من مذيعات الصف الأول اللاتي التحقن بالتلفزيون المصري في بداية بثه، يأتي ذلك بعد تخرجها من الجامعة الأمريكية، وسفرها لأمريكا لتحصل على ماجستير في الصحافة من جامعة نورث وسترن، وعقب عودتها إلى مصر تم تعيينها كصحفية بالقسم الدبلوماسي في إحدى الصحف القومية وكان من صميم عملها آنذاك أن تمر على السفارات لتحصل على أخبارها، ومع افتتاح التلفزيون المصري في اليوم الـ23 من يوليو عام 1960، أطلت على الجمهور كمذيعة ربط، ثم كقارئة للنشرة الفرنسية.

ليلى رستم

برامج ومواقف في حياة ليلى رستم..

من البرامج التي قدمتها ليلى رستم على الشاشة المصرية، برنامج “نافذة على العالم” والذي تناول أهم أحداث الأسبوع عالميًا، وبشكل محلي قدمت برنامج “الغرفة المضيئة” وكانت تتناول فيه أهم الأحداث المحلية، وأعد هذا البرنامج الإعلامي “مفيد فوزي”، الذي أعد لها أيضًا أشهر برامجها “نجمك المفضل” ، وامتد لثلاث سنوات قدمت خلالها قرابة الـ 150 حلقة مع نجوم الفن والأدب، وكونت من خلاله بعض أرائها النقدية وتعرضت أيضًا خلاله لأزمة اجتماعية أدت إلى طلاقها.

استضافت خلال إحدى الحلقات الفنان الشاب وقتئذ أحمد رمزي، الذي جاء على عجل لارتباطه بميعاد تصوير، وظهر كشاب “كوول” في ذلك الوقت فاتحًا أزرار قميصه، مرتديًا عدد من السلاسل التي أثارت دهشتها، ولما سألته عن سبب فتح أزرار قميصه بهذه الصورة لم ينكر مظهره، بل استغرب من السؤال، فسألت مرة أخرى عن سبب ارتدائه لسلسلة تحمل خرزة زرقاء، أجابها بأن “المدام” تخاف عليه من الحسد، فأجابته ليلى رستم بلهجة مازحة “ياختي عليه”، حيث شعرت بأنه كالأطفال يخشى عليه من الحسد، الأمر الذي استنكره زوجهاووصل الأمر إلى خلاف أسري مما أدى إلى طلاقهما.

لم يكن مشوار “رستم” في التلفزيون المصري، طويلًا بعكس ما كان ثريًا بالتجربة، فقد عملت به لمدة 7 سنوات متواصلة، قدمت خلالها العديد من البرامج التي مازال جزء كبير منها في ذاكرة المشاهد المصري آنذاك، بالرغم من ضياعها من ذاكرة ماسبيرو حيث فُقدت حلقات من برامجها وسألت عليها الإعلامية سهير الإتربي وقت توليها منصب رئيس التلفزيون فأخبرتها بأنها لا تعلم أين ذهبت، ربما ضاعت في أحداث 1967، واحترق بعضها إلى جانب سرقة البعض الآخر، ومع ذلك فقد تجد أعمالها في بعض البلاد العربية مثل سوريا ولبنان خاصة والكويت، وبعد توقفها سافرت مع زوجها الراحل حاتم الكرداني إلى الولايات المتحدة الأمريكية لدواعي العمل، ثم استقرت بلبنان لمدة تقارب الـ 15 عامًا .

ليلى رستم… المتعالية التي تتعاطف مع الحيوانات..

اتهمها الكثير بالغرور والتعالي نظرًا لتحفظها أحيانًا وربما لأصولها التركية، ولكنها في الواقع شخصية معتدة بنفسها، تعلم جيدًا الفارق بين الاحترام، والعشم، قد تقيم الحواجز لتحفظ نفسها وكرامتها وهيبتها، تقول عن نفسها أنها تعلم جيدًا من هي ، فتقول عن نفسها ” ليلى رستم بتعرف كويس ايه اللي تقدر تعمله وايه اللي متقدرش تعمله، ولا تُشترى ابدا”، ومع ذلك لم تعطِ لنفسها حجمًا أكبر من باقي الناس، فطبيعتها العطوفة على الحيوان وهي- بالمناسبة- عضو في جمعية الرفق بالحيوان، ومستشفى بروك لعلاج الحيوانات الأليفة، لا تؤهلها للتعالي والغطرسة، تروي “رستم” أنها عطلت المرور ذات يوم لتنقذ حياة “كلب” صدمته سيارة وتركته يحتضر على الطريق، فتركت سيارتها ونزلت مسرعة إلى الصيدلية لتحضر الإسعافات اللازمة،لتخرج وتكتشف تسببها في ازدحام مروري بسبب ترك السيارة في منتصف الشارع.

تدعي “رستم” أن أهم ما كان يميز جيلها هو “البساطة”، فقد كانت هي السمة التي تميزها وجيلها من المذيعات الشابات وكانت هي النصيحة التي يُنصحن بها، وعن خفة ظلها وحضورها ربما أرادت أن تستخدم هذه الخفة أكثر مما استخدمته ولكنها كانت تحسب حسابًا للدكتور عبد القادر حاتم، فكان هناك العديد من الأسباب التي تحثها على التحفظ.

تأثرت كثيرًا بوفاة زميلتها سلوى حجازي التي توفت جراء إسقاط الاحتلال الإسرائيلي لطائرة ركاب مدنية تتبع الطيران الليبي، لتقتل 102 مدنيًا، من بينهم سلوى حجازي، التي بكتها ليلى رستم وتوجعت لرحيلها بشدة، فقد كانت تجمعهما علاقة قائمة على الود والاحترام والكثير من التفاهم، ولا تزال تروي كيف استقبلت نبأ الوفاة بلبنان وكيف تفاجئت بالخبر الصادم الذي ظلت آثاره ترافقها طيلة حياتها.

لبنان.. محطات وأحداث..

استقرت ليلى رستم لعقد ونصف من الزمان في “لبنان”، لم تكن تشعر بالغربة لأسباب عدة من بينها مثلًا أنها كانت تزور لبنان كثيرًا أثناء طفولتها، والسبب الآخر هو زيجتها من مدير التلفزيون اللبناني “منير الطقشي”، وكان زواجًا مدنيًا، ساعدها على العيش بلبنان لهذه المدة قبل أن تعود إلى مصر مرة أخرى.

مع الاستقرار بلبنان لم تكن “رستم” ترغب في معاودة العمل الإعلامي مرة أخرى، ولكن مع إلحاح صديقيها، سليمان نوفل وهو أول رئيس مدير عام لتلفزيون لبنان، ولوسيان دحداح وزير الخارجية في عهد الرئيس فرنجيه، لمدة عام عليها لتعاود الظهور على الشاشة من خلال التلفزيون اللبناني،  وبالفعل وافقت وبدأت تصوير حلقات برنامجها سهرة مع الماضي.

ناقشت “رستم” في “سهرة مع الماضي” تاريخ لبنان الحديث، الذي صنعه رجال لبنانيون، فكانت تبدأ مقدمة البرنامج قائلة “”انني اقدم لكم الليلة رجل من الرجال اللذين صنعوا لبنان الحديث، في سهرة مع الماضي..”.. ثم يبدأ تتر البرنامج.

استضافت خلاله شخصيات عريقة أثرت في التاريخ اللبناني وأثرته، أمثال الراحل كمال جنبلاط الذي قالت عنه إنه موسوعة في العلوم والغيبيات، وأنها لم تشعر بالرهبة قبل جلوسها مع ضيف بقدر ما شعرت معه هو والأديب المصري طه حسين، الذي ادعت بأنه استحق نوبل عن جدارة، وأيضًا استضافت فؤاد فرام البستاني والشيخ صبحي الصالح.

سبب توقف برنامج سهرة مع الماضي..

تروي ليلى رستم الموقف الذي انتهى بعده برنامجها بعد قرابة شهر، حيث تحدثت إليها متصلة باللغة الفرنسية، فردت عليها “رستم” بسلاسة، فقالت لها المتصلة أنتي تتحدثين الفرنسية ببراعة، فلما إذًا تستخدمي اللهجة المصرية، فأخبرتها بأن السبب هو ظهورها على محطة عربية، فقالت المتصلة التي رفضت الإفصاح عن شخصيتها، ولكن نحن اللبنانيون لا نريد اللهجة المصرية على شاشاتنا وخاصًة بمواضيعنا السياسية، فقالت رستم ” أنا آسفة لشعورك، ولكن وإن كنتي تشعرين به فهو ليس شعور الأغلبية” لترد المتصلة قائلةً : “ولو كانت هذه الأقلية، فإنها الأقلية التي تأمر”.. لم تستسلم “رستم” ولكنها وضعتها في المرآة أمام نفسها على حد تعبيرها لتسألها أنها لو كانت تقدم نفس المحتوى بالفرنسية على شاشة فرنسية فهل كانت ستكلف نفسها عناء الاتصال؟.. فسكتت السيدة ليتوقف البرنامج بعدها خلال الشهر.

ليلى رستم

برنامجها الأخير بلبنان.. حديث الناس..

أتبعت ليلى رستم “سهرة مع الماضي” الذي قام على استضافة ضيف مهم، ببرنامج “حديث الناس” الذي قام على استضافة الحدث المهم نفسه، ومع ضيفين أو ثلاثة للتعليق عليه، وفي إحدى حلقاته استضافت علياء الصلح كريمة رياض الصلح الملقب بأبي الاستقلال اللبناني، والمشهورة بدفاعها الشرس عن القضايا العربية واللبنانية، فنبهتها ليلى رستم لعلاقتها الوطيدة بها منذ الصغر بأنها يجب أن تمرر الحلقة بسلام وألاّ تتحدث بما قد يثير المشاكل، ومع بداية الحلقة سألتها “رستم” عن رأيها في قانون المرور الجديد كحدث بارز، فأخرجت “علياء” من حقيبتها بعض الأوراق وبعثرتها في فوضى على الطاولة لتصطف كورق الكوتشينة، قائلة في حدة “بدك رأيي في قانون المرور الجديد، هاد هو رأيي”، فقاطعهما المخرج وخرج لفاصل إعلاني، ومع العودة فجرت “علياء” مفاجأة غير سارة لـ “رستم” بتصريحها أن والدها كان يرأس مجلسًا من الكبار هو أولهم، أما اليوم أصبح البرلمان زريبة لعائللات كذا وكذا وأبنائهم وسمتهم بأسمائهم، وكانت عائلات من الشهرة والنفوذ، بأنه مع الفاصل الثاني نزل منير الطقشي بعد “تليفون” للإدارة، مستنكرًا ما حدث، فقالت ليلى رستم لعلياء الصلح لقد وقعتي على مرسوم طردي.

ندمت علياء الصلح واعتذرت بعدها مؤكدة بأنها هي من تسبب في هذه الأزمة وأن ليلى شددت عليها بالالتزام بلهجة لطيفة، ومن جانبها قالت “رستم” إنه ربما تشديدها على علياء أن تتحدث بلهجة أقل عدائية وأكثر لطافة قد تسبب في شحنها قبل الحلقة، وانتهت بذلك رحلة ليلى رستم في التلفزيون اللبناني بعد مسيرة حافلة من العمل الإعلامي والصحفي وتغطية الحرب الأهلية اللبنانية.

العودة إلى مصر..

عادت ليلى رستم ببرنامج “قمم” الذي استضافت خلاله العديد من اقلامات الأدبية والفنية والعلمية، أمثال الدكتور مصطفى محمود والفنان الكبير يوسف بك وهبي، ولكنها لم تستمر في العمل الإعلامي وأعلنت اعتزالها على الرغم من العروض التي عرضت عليها للعودة مرة أخرى.. وبهذا أنهت ليلى رستم مشوارها الإعلامي تاركةً ثروة نادرة من الحوارات مع كبار الشخصيات في مصر والعالم العربي، وقد أطلق البعض عليها اسم عميدة المذيعات العرب أو أسطورة العمل الإعلامي لبراعتها وتميزها ولكن التكريم الحقيقي ليس في الألقاب بقدر ما ينطق به ما تركته من عمل مميز.

نرشح لك: محمود سعد.. الناجي من طوفان التريند

شاهد : الإعلاميون والمشاهير خارج البلاتوهات في برنامج مش عادي

ليلى رستم

الوسوم
إغلاق
إغلاق