حصري

Black Mirror:Bandersnatch.. نهايات متعددة لـ سيناريو ضعيف ولكن هل نجحت التجربة؟

رباب طلعت

الجمعة الأخيرة  في 2018، قررت منصة “نتفليكس” الاحتفال مع جمهورها، بقدوم العام 2019، بشكلٍ مُبتكر، يجعل من المشاهد أحد أبطال العمل ولكنه، بطل سري، صاحب اليد العليا في قرارات البطل الأصلي، والذي يدفعه لاتخاذ عدة قرارات تودي به إلى الهاوية، لتنتهي حلقة مسلسل “Black Mirror” الشهير، التي تحمل اسم “Bandersnatch”، بنهاية من 10 أساسية، تنتج عن سلسلة اختيارات كل منها مأسوي أكثر من الآخر.

“Bandersnatch” هو اسم الكتاب الذي يحمله بطل الفيلم “ستيفان”، المبرمج الشاب عام 1984، ويعكف على تحويله للعبة “فكر” وليس “حركة”، ما يثير إعجاب صاحب شركة “تاكروسوفت” الشهيرة، التي تنتج ألعاب المبرمج العبقري ومثله الأعلى “كولن”، والذي يتفهم طبيعة الكتاب الذي يحمله “ستيفان” للكاتب الذي توفي بعدما قتل زوجته، بعد أن فقد عقله، بسبب تشعبات مسارات الكتاب التي جعلته يتخيل وحش يشبه الأسد -هو نفسه الذي يرسمه ستيفان كبطل اللعبة ويظهر له في الكوابيس- بالإضافة إلى أنه هو قصة الحلقة التي تدور حول القوى الخفية التي تتحكم في اختيارات البطل -المشاهد نفسه- تلك التي وصفها له “كولن” في أحد المسارات بأنها الروح التي ترتبط معهم من العالم الخارجي، والتي تتحكم في كافة خياراتهم حتى وإن كانت سماع نوع من الموسيقى، أو نوع رقائق الإفطار، وهي التي تجبره على فعل كل شيء يظن أنه خياره، أو يظن الآخرين أنه خياره، ولكن ذلك ليس حقيقيًا، فكل ما يفعله ليس من صنعه، ولكنه يظل حبيسًا فيه، ككابوس يظهر له على شكل “وحوشٍ” تلك التي يبرمجونها في ألعابهم فتنال إعجاب وإشادة التقنيين والجماهير، ولا يعرف أحد أنها قاتلهم الذي يهربون منه.

نرشح لك: زيجات فنية فاشلة (3).. رمزي ونجوى انفصلا بـ”علقة سخنة”

المسلسل التفاعلي الأول كدراما لـ”نتفليكس” التي سبق وأن قدمته في محتوى الرسوم المتحركة للأطفال، هو لعبة إثارة أكثر منه عملٍ درامي، فإن ركزنا في التوصيف الأول، يمكن أن نجزم بأن التجربة الرائدة قد نجحت بلا شك، ولكن إن ظلمناها بوصف “درامي” سنظلمها، حيث إن السيناريو والقصة ضعيفة، لعل تشعباتها جعلها تبدو كقصة غير واضحة، وغير مكتملة الأركان، لا تحتوي على أحداث درامية أو روائية عميقة، فهي كسيناريو عادي وغير مثير للانبهار ومليء باللامنطق وينتهي سريعًا دون أن يُشبع فضول المشاهد، لذا فالأفضل تقييم التجربة بعيدًا عن السيناريو والقصة النمطية، وطرح السؤال بدقة “هل نجحت نتفليكس في أول تجربة تفاعلية لها؟” فيما يلي نحاول الوصول للإجابة:

(1)

منذ بداية التجربة يتحول المشاهد لأحد عناصر المسلسل بل هو العنصر الأساسي، بداية من الاختيارات الصغيرة “السلمية” باختيار نوع رقائق الإفطار التي يتناولها، أو نوع الموسيقى التي يسمعها أثناء ذهابه للمقابلة في الشركة، مرورًا بموافقته على عرض صاحب الشركة بالعمل ضمن فريق عمل بها أم لا، وصولًا للخيارات المأسوية، بانتحاره أو قتل المبرمج الآخر بالشركة “كولن”، أو حتى قتل والده! ما يجعل الخيارات متناسبة تمامًا مع شخصية المشاهد، يتحول سير الأحداث كما يريد بل كما يُقرر هو، وهنا يصبح “القوى الخفية” المتحكمة في ردود أفعال البطل، ولكن هناك قوى أكبر منه تتحكم فيه هو الآخر، وهي نتائج الاختيارات التي يضغط عليها، ما يُدخله في سلسلة مسارات أغلبها دموية ومأسوية، لا يستطيع الفرار منها، وعند اختيار أكثرها سلمية، يرى أن الحلقة تنتهي نهاية “باهتة” تجبره على العودة مرة أخرى للخلف للنقطة الحاسمة في الخيار، ليجرب المسار الآخر، أو يستمر على اختياره ليذهب لمسار جديد لا يعلم عنه شيء، للوصول لأحد النهايات العشر الأساسية.

(2)

في حالة أن المشاهد سيتعامل مع الخيارات في البداية على أن أي منها سيوصله للنهاية، أو أنها “لعبة ستمر” فيختار بعشوائية، سيجد سير الأحداث غير مسلي وتنتهي الحلقة نهاية “تافهة”، مثل الاختيار بين (الصراخ في وجه الوالد أو سكب الشاي على الكمبيوتر) إذا اختار الثانية سينتهي المسلسل في أقل من ربع ساعة نظرًا لأن عمل “ستيفان” سيحترق، وبالتالي سينسحب من المشروع، ولكن الأول يفتح مسارات أخرى أكثر إثارة، ما يدفعه فيما بعد للاختيار بعقلانية ومنطقية أكثر، ويحلل المواقف بحسب شخصيته وتراكم التجارب السابقة، مثل اختياره ما بين (دخول ستيفان لجلسة العلاج مع الطبيبة النفسية أو اللحاق بكولن) للخروج من الحالة النفسية التي يمر بها بسبب الضغط، وبالرغم من أن كلا المسارين نهايته مأسوية إلا أن المنطق هنا يدفعه للحاق بزميله الذي سيفهمه أكثر من الطبيبة التي تخيلت في المرة السابقة أنه يهزي فقط، وفي ذلك المسار الذي يضطر أيضًا للاختيار ما بين أن (يقفز ستيفان من الشرفة، أو كولن هو من يقفز) من المنطقي أن يقفز كولن الأكثر جنونًا تحت تأثير المخدر، لأن “ستيفان” البطل ما زال هناك الكثير من الأمور العالقة التي يجب أن ينهيها، ولا يمكن أن تكون تلك النهاية من الأساس -انتحار البطل-! ما يُحفز عن المشاهد ملكة التفكير والتحليل واتخاذ القرار، وهو أمر يحول العمل من مجرد تسلية إلى تمرين ذهني ونفسي مميز.

(3)

الصراعات النفسية التي يتعرض لها المشاهد، تُشعره بالأحداث والضغط بشكلٍ أكبر، تجعله يكتشف الكثير عن نفسه، فعليه أن يقرر خلال 10 ثوانٍ فقط هل يقتل الأب أم لا؟! على سبيل المثال، وإن لم يقتله، سيسير في مسارات متوازية أخرى، منها العودة للماضي في الحلم، واختيار تصحيح ما حدث في السابق ويختار هذه المرة أن يذهب مع والدته في القطار الذي سينفجر فتموت وبالتالي يموت هو الآخر بشكلٍ مفاجئ في أول جلسة له مع الطبيبة النفسية نظرًا لأن كل المسارات والعوالم متوازية، وإلا سيكتشف أن والده أحد أعضاء منظمة (P.A.C) كلمة السر التي تفتح له خزانة تحوي ملفه منذ طفولته، ويكتشف أن والده كان يصوره ويتحكم فيه منذ البداية، فيقرر أن يقتله، نفس المصير الذي وصل له مؤلف الكتاب الذي قتل زوجته لاعتقاده بأنها تضع له أدوية مهلوسة تنفيذًا لتعليمات نفس المنظمة، خاصة أنه يرى نفس الوحش! تلك الضغوط النفسية تحفز في المشاهد على البحث دائمًا عن مخرج سلمي، عن منفذ يمر منه بأقل ضرر، إن كان سليمًا نفسيًا، وإن كان يبحث عن العكس! ويأخذ خيارات دموية لإثارة أكبر، فعليه مراجعة صحته النفسية!

(4)

بالابتعاد قليلًا عن ما سيخرج منه المشاهد من تجربة مميزة ومختلفة، نجد أن التجربة كانت مفيدة “تسويقيًا” أيضًا لـ”نتفليكس” أكثر من الاستفادة الجماهيرية، فقد نجحت في حماية أحد منتجاتها الأصلية من القرصنة -وإن كان هناك محاولات قد نجحت في سرقته ولكن بمسار واحد وليس جميع المسارات- ما يضمن أن المشاهد لن يستطيع خوض تلك التجربة إلا باشتراك عبر منصتها، خاصة أنها عانت خلال الفترات الماضية كثيرًا من سرقة المحتوى.

(5)

أما في حالة أن أحدهم نجح في سرقة التجربة حيث إن أدوات الهاكرز مؤخرًا باتت لا تُغلب، فقد فرضت “نتفليكس” نفسها، على أحداث المسلسل، فلا يمكن إقصائها، فخلال أحد المسارات حيث يفيض الكيل بـ”ستيفان” يبدأ بالصراخ متوسلًا للمتحكم به -المشاهد- أن يعطيه أي علامة أيًا كانت ليعلم من هو، فيظهر خيارين على الشاشة، أحدهما “نتفليكس”، والثانية “White Bear” العلامة التي تدل على المسارات المتوازية -الفكرة الأساسية من الكتاب واللعبة وبالتالي المسلسل- في حالة اختيارها، وذلك ما يحدث على الأغلب، تدخل في خطوط متوازية من الأحداث الكثيرة والمثيرة، ولكنك تعود في أكثرها لنقطة الخيار الأساسية، ما يدفعك لتجربة “نتفليكس” إجباريًا، ليبدأ البطل في طرح عدة أسئلة (ما هي نتفليكس؟ إنها منصة تدفقية للتسلية من القرن الـ21)، (ماذا يعني ذلك؟ هي مثل التلفزيون ولكن على الإنترنت؟)، (كيف يحدث ذلك؟ عن طريق مكتبة كبيرة من المحتوى للتسلية)، ويبدأ بعدها مشهد آخر بين “ستيفان” ومعالجته النفسية، وعند إخبارها بذلك، تسأله بسخرية (إذا كان ما يحدث معك لتسلية شخص ما، لم لا يجعل حياتك أكثر إثارة؟ لما أنت هنا في جلسة علاج تقليدية مع امرأة عادية مثلي؟) ليبدأ مشهد مفاجئ بأن تتحول لمحاربة ساموراي تحاربه بالعصى، فيضربها، ويحاول الوالد التدخل للسيطرة عليه!، في مشهد “لا قيمة له دراميًا”، ولكنه تسويقيًا أكثر

(6)

لم تكتفِ “نتفليكس” بالتسويق لنفسها فقط، فقد واجهت عدة انتقادات، بسبب ظهور علامات تجارية بعينها، سواء في اختيار “ستيفان” نوع الرقائق التي يأكلها والتركيز على العلامتين التجارتين للرقائق، والثانية في اختياراته لأشرطة الموسيقى التي يسمعها، ولكن هذا لا يمكن أن يأتي في وقت أكثر أهمية لـ”نتفليكس” من الوقت الراهن، حيث إنها تواجه انخفاضًا كبيرًا في قيمة أسهمها بنسبة 37٪ منذ مطلع يوليو 2018 ، مع زيادة التوقعات باستمراره مع منافسة Disney وعدد من المنافسين الجدد مثل Amazon Prime، الذين بدأوا في إنتاج محتوى منافس في سوق منصات تدفق المحتوى الذكية.

(7)

هنا ووصولًا لتلك النقطة، يمكن التأكيد على نجاح التجربة لعدة نقاط طرحها التحليل السابق يمكن إيجازها في نقاط مختصرة هي:
1- دخلت “نتفليكس” التاريخ بإنتاج أول محتوى تفاعلي، وإن كان ضعيفًا من ناحية السيناريو.
2- حازت على ضجة إعلامية كبيرة، سواء كان بالسلب لانتقاد ضعف السيناريو، أو سرعة الأحداث التي باتت أشبه بأنها ليست مكتملة، وأيضًا بسبب دموية أكثر المسارات ومأسويتها، كذلك بسبب عدم تفعيل التجربة على بعض الشاشات التي لا تدعم خاصية التفاعل، أو بالإيجاب ابتهاجًا بالمغامرة الجديد.
3- استطاعت “نتفليكس” محاربة عدوها الأول المؤثر على أرباحها “الهاكرز”.
4- أوصلت رسالة للمنافسين الجدد بأنها قادرة على الخروج عن المألوف، وتقديم الكثير من المفاجآت، بخلاف إنتاج المحتوى أو تقديمه.
5- فتحت بابًا جديدًا للمعلنين، لعله يمكن مساعدتها على انخفاض أسهمها في 2018.

شاهد: يحدث في مصر في 2019

الوسوم

رباب طلعت

رئيس قسم الأخبار والتدريب في "إعلام دوت أورج"
إغلاق
إغلاق