رؤية

وسام سعيد يكتب: شابووه وبعد (2).. “منير” وليس “الكينج”!!

هناك مقولة يرددها عشاق القهوة لا أعرف مدى صحتها، وهي: “أن الذي لم يشرب القهوة سادة فهو لا يعرف معنى القهوة بل إنه يدعي حبه لها”، دعنا من هذه المقولة الآن وسنعود إليها لاحقا، لكن دعني اسألك سؤالا يردده الكثيرون أيضا؛ “ليك في منير؟!”
سؤال معروف كان يوجهه الشباب لبعضهم البعض في الجامعة حتى آخر فترة التسعينيات للدلالة على أن السائل أو المسئول أصحاب مذاق خاص في الأغنية ولديهم حس فني وعمق ثقافي معين.

نرشح لك: وسام سعيد يكتب: شابووه وبعد (1)..عمرو محمود يس.. صياد جمهور

هذا السؤال كان يحمل في طياته أيضًا -بخلاف فكرة الاستعراض الثقافي والفني- حبًا جارفًا لمحمد منير كمطرب أسطوري وحالة فنية متفردة لا يوجد من يشبهه على الساحة وقتها وإلى الآن.

فـ”منير” بلا شك كان ولا زال صك عملة نادر، وطابع مختلف سمح له بالإبحار وحيدًا في مياه مفتوحة دون منافسة فنية أو أدنى صراع بين النجوم.

وبالتأكيد، ليس مجال هذه السطور الإشادة بالنجم الأسطوري أو رفع “الشابوووه” له، لأنه مرفوع منذ أن خرج كمارد متفجر المواهب من أرض النوبة على قارب أحمد منيب وعبد الرحيم منصور، حاملًا تجربة غنائية متكاملة تمزج بين الموسيقى النوبية والسُّلم الخماسي؛ والموسيقى الشرقية مع الموسيقى الغربية في كوكتيل عجيب كوّن ما يُسمى بأسطورة “منير”.

رفع أسهم هذه الحالة الفنية المُعقدة والغريبة، “كاريزما” الفتى النوبي التي عشقها شباب الجامعة، وأحبوا تفاصيلها والتي تبدأ من شكله بشعره الكثيف المُبعثر، وملابسه المجنونة والفوضوية نوعًا ما، وأسلوبه في الغناء على المسرح ولغته الجسدية وحركات يديه ورأسه ومسكته للميكروفون.

وإنما أكتب هذه السطور للتأكيد على شيء واحد يفهمه ويعرفه جيدًا كل عشاق النجم الأسمر، وهى إشكالية لقب (الكينج) الذي أُطلق عليه مؤخرًا في أوائل الألفية، رغم أن سبب اللقب هو دوره خلال عرض مسرحيته البديعة “الملك هو الملك”؛ والتي حققت نجاحًا مذهلًا عندما عُرضت لأول مرة عام 1988، ذلك الوقت الذي كان يحلو فيه لمحبيه وعشاقه تسميته بـ”منير”، وكفاه هذا الاسم الذي هو في الحقيقة لقب في ذات الوقت.

وليست الإشكالية في أن لقب (الكينج) لا يتماشى مع النجم الكبير أو لا يليق به، فـ محمد منير يستحق بالفعل أن يُتوج على عرش الأغنية المصرية بكل الحسابات والأرقام وتوزيع ومبيعات الألبومات وانتشار الكليبات، لأنه كان يغرد وحده في سماء خاصة، وكان دائمًا ما يسير بالتوازي مع صراع آخر تدور رحاه بين عشرات المطربين في مسار مختلف، وملعب يعج بالمنافسة الشرسة يتزعمه لسنوات طويلة عمرو دياب ويزاحمه محمد فؤاد، ويأتي بعده بقية نجوم نتاج حميد الشاعري الفني.

حتى أن مطربي جيله الحقيقيين والموهوبين مثل علي الحجار ومحمد الحلو ومدحت صالح، جميعهم أيضًا سار في طريق وهو وحده في طريق، والسبب هي تلك البصمة المميزة والطابع الفريد الذي يُميزه عن غيره.

إذن ما المشكلة في لقب مثل (الكينج) يناله المطرب الأسمر بعد كل هذه السنوات والتاريخ الطويل؟!

المشكلة تكمن في أن محمد منير أكبر من هذا اللقب الذي رضى به، وارتضى أن يعرفه به الجيل الحديث والذي لم يسمع روائع “منير” الحقيقية ولم يفهمها، ولا يعرف الطعم الحقيقي لبصمة “منير” النوبية وصوت الشجن والأنين العابر للنهر في المراكب الأسوانية، التي حملت موهبته الجبارة إلى القاهرة يومًا ما.

يومًا ما.. لم يملك موسيقار فذ كهاني شنودة حيال موهبته وبصمته الفريدة إلا أن يتلقفها ويحرص على الارتباط بها والتعاون مع الثنائي (منيب وعبد الرحيم منصور)، فخرج للنور أول روائعه “علموني عينيكي” عام 1977، وبعدها بعام واحد “بنتولد” ثم التحول النوعي والألبوم القنبلة “شبابيك” عام 1981، الذي كان ألبومًا جماهيريًا وحقق نجاحًا مذهلًا؛ بعد انضمام الموسيقار يحيى خليل لهذه الكوكبة الرائعة، ثم توالت الأعمال التي بدأت ترسم ملامح “كاريزما” الفتى النوبي المصري الأصيل.

نرشح لك: شاهد: أولى أغنيات ألبوم “وطن” لمحمد منير

ولتلخيص الأمر هناك حوار تخيلي مع أحد من يدعون عشق “منير” وفهم موهبته من الجيل الحالي والمنتمي عمريًا لفترة التسعينيات ومطلع الألفية، هذا الحوار كالتالي:

– بتحب منير؟

* قصدك (الكينج) طبعًااااااااا.. بتتكلم في إيه؟!.. بامووووت فيه

-هايل.. طب بتحب له إيه؟!

* كل أغانيه

– كل أغانيه؟ّ!.. يعني أنت سمعت كل أغانيه؟!

* طبعًاااااا.. ده (الكينج) ده ميجا ستار حفلات الساحل والجونة

– طب تعرف (ليه يا بلاد يا غريبة)؟!

* مين؟!!!

– طب بلاش سمعت (بافتح زرار قميصي)؟!

* إيه ده يا باشا.. أنت بتتكلم عن محمد منير؟!

– آه والله منير يا عم الحاج.. طب بلاش دول أقرّب لك شوية سمعت (صفصافة) ..(عشقك ندى).. (حكمت الأقدار)؟!

* لا لا ….انت بتشتغلني

– أومال سمعت إيه؟! بتحبه على إيه؟

* سمعت أروع أعماله طبعًا.. خد عندك.. يونس.. الفرحة.. نعناع الجنينة.. طعم البيوت.. أحمر شفايف.. بالحظ وبالصدف قبلك نشن حدف.. آدى الشغل مش اللي أنت عمال تألفه

– معلش.. أنا آسف

هذا الجيل ومن سيأتي بعده لهم الحق كل الحق في الانبهار بمحمد منير، فهو كما تحدثنا “كاريزما” طاغية تتجاوز الأزمنة ويتخطى نجاحها الحقب الفنية المختلفة، فلم لا يعشقونه وهو الذي قدم لهم مجموعة ألبومات متميزة وناجحة وقوية مثل: “قلبي مساكن شعبية، وإمبارح كان عمري عشرين، وأهل العرب والطرب”، فضلًا عن حضور لافت جدًا في حفلات الصيف و”استايل” ينال إعجاب جيل شباب الجامعة الحالي.

هنا سنضطر للعودة إلى سؤال القهوة السادة الذي بدأنا به، حيث يرى عشاق القهوة أن مرارة البن هو المذاق الحقيقي والطعم الأصلي لهذا المشروب العبقري، أما وضع السكر بكل درجاته “المظبوط والمانو والزيادة”، فهو من قبيل حصد مزيد من المحبين والعشاق وتنويع قاعدة الذوق ليس إلا.

فمن يشرب القهوة بمذاقها الأصلي ويستشعر الطعم الحقيقي لحُبيبات البن المغلي دون سكر، هو الجيل الذي فهم وعرف مكانة وقيمة محمد منير وتعرف على فنه الحقيقي، من الآخر “أخد وش القهوة”.

أما ذلك الذي بدأ يستمع لمحمد منير من ألبوم “الفرحة” وما تلاها من ألبومات، فهو جمهور محبي القهوة بالسكر، الذي استمع لأعمال جيدة ورائعة لـ”منير” وذات قيمة أيضًا ولكنها مُختلطة بمسحة تجارية، وبها بعض الاستسهال في الكلمات والمعاني لا سيما غناء أغنية من الفولكلور المصري في كل ألبوم، ربما يوفق فيها وربما لا!!

من لم يستمع لمدخل أغنية “يا ليلة عودي تاني” المعزوفة بالكمان منفردًا ثم بعض دقات الجيتار فهو لم يذق طعم “منير” الحقيقي؛ من لم يستمتع بإيقاع “كل الحاجات بتفكرني بعيون حيرتها تحيرني” السريع والعبقري.. ودخلة “الليلة يا سمرة” و”تعالي نلضم أسامينا” فهو لم يدرك بعد قمة المتعة في الاستماع لـ”منير”، من لم يطرب لـ صوته الحزين في “عطشان” و”شجر الليمون” فهو لم يسمع منير.

من الآخر.. من لم يلتهم ويسمع “وش وظهر” ألبومات: “(علموني عينيكي) و(بنتولد) و(شبابيك) و(بريء) و(وسط الداير) و(الطول واللون والحرية) و(شيكولاتة) و(افتح قلبك) وأخيرًا (ممكن) آخر ألبوماته (المستوية)” إن جاز التعبير البلدي؛ فهو لم يذق الطعم الحقيقي لمحمد منير.

جيل السبعينيات والثمانينيات أفضل من سمع منير؛ ويسمونه “منير” فهذا الاسم وحده لقب يلبسه التاج دون الحاجة للقب (الكينج) الذي تفرضه حمى المنافسة عبر الفضائيات، وبيزنيس سباقات الـ Top 10 ومهرجان الألقاب للجميع الذي جعل سميرة سعيد اسمها (الديفا) وعمرو دياب اسمه (الهضبة) .

موعد طرح الألبوم الجديد لـ محمد منير

 

شاهد| في الذكرى الأولى لوفاتها.. أرقام وتواريخ في حياة شادية

الوسوم

كاتب

انطلق موقع إعلام دوت أورج نهاية نوفمبر 2014 ليكون أول نافذة إلكترونية متخصصة في متابعة شؤون سوق الميديا في مصر، ويركز الموقع على متابعة أخبار وكواليس القنوات المصرية أو تلك العاملة في مصر مع متابعة ما يهم القارئ المصري من أخبار القنوات العربية وغير العربية بجانب المحطات الإذاعية، وتمتد تغطية الموقع لتشمل القضايا المتعلقة بالصحافة المطبوعة والإلكترونية وكل ما يربط بين الصحافة والإعلام من جهة ومواقع التواصل الاجتماعي من جهة أخرى.
إغلاق
إغلاق