زمان

إبراهيم يسري.. حبة في عنقود العظماء

محمد حسن الصيفي

يقف وسط غرفته المدججة بالكراكيب واللوحات المبعثرة هنا وهناك، الألوان تلطخ كل شيء، الأفكار والجدران، حتى ملابسه الشخصيّة، في غرفة مكتوب على بابها من الخارج “بالخط العريض” ممنوع الدخول.

تدخل شقيقته دكتورة الجامعة ليبدأ بينهما حوار عاصف حول حياته وعزلته في ذلك المكان المقزز الكئيب وحياة الأسرة وما آلت إليه الأحوال.

نرشح لك: آخر رسالة لـ محمد فوزي قبل وفاته بساعات

بلا شك هو أحد أعظم المشاهد في تاريخ الدراما المصرية وأكثرها عمقها، وهو المشهد الذي يجمع “الوجه الجديد” وقتها “إبراهيم يسري”، و”نسرين”، أو بين “هاني حافظ” وشقيقته “ناهد” في أحد أهم كلاسيكيات الدراما المصرية “الشهد والدموع”.

 

يقف إبراهيم يسري في بداياته الفنية أمام عمالقة الدراما في هذا العمل، يقدم دورًا بالغ التعقيد، بلغة أهل الدراما “دور مُركب”، خلفية نفسيّة بخيوط متداخلة ومتشابكة، لشاب فقد الانتماء لأسرته المفككة التي ذهب كل فرد فيها خلف غوايته، فحين ذهب الأب والأم خلف الطمع وتكوين الثروة، تبخر “سمير” الشقيق الأكبر وطار إلى أمريكا أرض المال والأحلام، بينما تتخبط ناهد دكتورة الجامعة بعد قصة حب فاشلة مع ابن العم الذي أراد الانتقام من والدها عن طريقها. أما سوزان الشقيقة الأصغر ليست بحال أفضل منهم، بل في مفترق الطرق.

في الوقت ذاته ينطلق مختليَا بنفسه، مغتربًا في غرفته لسنوات يحاور بيكاسو ورفاقه يوميًا ليجد الخلاص عن طريق اللوحات والفرشات المنغمسة في الألوان، لوحات سيرالية تطرح أفكارًا غامضة غير مفهومة تُعبّر عن الارتباك والشك والسؤال ومحاولات فك لغز العالم.

هذه كانت شخصيّة “هاني” التي قدمها إبراهيم يسري ببراعة وإبهار، بملامح وديعة تنم عن براءة ونقاء، وعقل يدور يطحن كل الأفكار المعقولة وغير المعقولة، ولسان ثقيل يتلعثم في النطق ويسرح خلف تلك الأفكار يطارها كالفراشات.

الصعوبة تكمن في أن يكون إبراهيم يسري في حياته الفنيّة متخصصًا في الأدوار المعقدة، ويبدأها بدور مثل دور هاني الذي من الصعب أن تصدق أنه يستهل مشواره الفني من خلاله، حتى قال في أحد لقاءاته التلفزيونية القليلة “لقد حصرني المخرجون في تلك الأدوار الصعبة والمركبة، لا سيّما بعد النجاح في مرحلة البدايات”.

 

وبالفعل، انطلق ليس فقط نحو الظهور والانتشار، بل نحو المزيد من الأدوار الصعبة، ومن بعد الشهد والدموع انطلق ليقدم الامبراطور والمشنقة في السينما.

 

ثم تامر “البارمان” في فيلم “عودة مواطن” في نفس العام 1986.

 

ثم محسن المثقف المطلع المحب لتشي جيفارا في “الإرهابي” وهو أحد أجمل وأهم أدواره.

 

 

من ينسى صلاح رشدي في “هوانم جاردن سيتي”؟ والأستاذ بهاء في “ضمير أبلة حكمت”، أو الدكتور مازن شرارة في “ليالي الحلمية”؟

 

تاريخ طويل من الأدوار العظيمة، من الفن المدروس، حيث المنظومة التي لا تقدم شيئًا اعتباطًا.

“لابد أن اقرأ النص كاملاً قبل الموافقة على العمل هذا هو الطبيعي، إنما الصعب أن أفعل غير ذلك”.. هنا تتضح الرؤية، لا مجال للفهلوة أو الاستسهال، كل شيء يخضع للدراسة المتأنية والقراءة الدقيقة.

يقول محمد إبراهيم يسري، نجله الذي يسير على دربه: “كان عاشقًا لمصر، عقلانيًا جدًا ودائمًا ما يتوخى الحذر قبل أي فعل أو قرار”. بينما قال هو في آخر لقاءاته التلفزيونيّة: “لديّ صداقات متعددة، لكنّي لا أجيد إقامة علاقات مع الأشخاص لغرض ما أو لهدف أصل إليه عبر تلك العلاقة”.

ملامح الشخصية واضحة الآن، الهدوء والإتقان، حب الوطن، البُعد عن الصخب والوصولية والعلاقات البلاستيكية المنهكة المهلكة لجمال الروح. ومسألة حب الوطن هنا ليست من باب النفاق أو الوجاهة أو التملق، بل هو المعادلة الأساسية، والقاعدة الأولى التي ينطلق منها كل شخص نحو الإجادة ونحو أعمال مشرفة يذكرها التاريخ.

في تلك السلسة من الموضوعات وغيرها من عشرات السير الذاتية التي قرأتها وكتبت عنها كانت السمة الأساسية لكل الأشخاص المؤثرين وأعمالهم الخالدة هي حبهم الجارف لأوطانهم ومراقبة الوطن بخشية في أدق التفاصيل وعلى مدار العمر الطويل، وهو الذي ينتج أعمالا قيّمة تثبت أمام التيارات الجارفة للزمن والتاريخ وتعاقب الأجيال.

اللافت لدى إبراهيم يسري “وغيره من المواهب النادرة” أنه قابل للاكتشاف من جديد في كل مرة، لكنه غير قابل للتكرار، حين تتأمل ملامحه في الثبات والجمود بلا فعل أو رد فعل لن تتوقع هذه القدرات الاستثنائية، ملامح طيبة هادئة ربما لا تلفت النظر بأي ملمح صارخ، لا يظهر عليها التطرف في الحزن أو الفرح، ولا الطيبة ولا الشر وإن كان للطيبة أميل.

لكنّها في النهاية مرنة لينة مثل الصلصال، في كل دور تعيد صياغة نفسها وتتهيأ تلقائيًا لما هو جديد، أو مثل أوتار العود تختلف بين ضربة وأخرى، مثل الفرشاة، في كل ضغطة على اللوحة تحدث لمسة ساحرة وصدىً جديد.. حبة في عنقود لن ينقطع من العظماء في مصر المحروسة اسمه “إبراهيم يسري”.

نبيل الدسوقي.. فنان عظيم الله يرحمه

 

الوسوم
إغلاق
إغلاق