رؤية

ولاء مطاوع تكتب: في “أربعين” أحمد خالد توفيق

مضى أربعون يوماً على الرحيل المباغت للرجل الذي أضفى على حياة محبيه الكثير من المتعة اللامتناهية، والثقافة التي كان يعتبر هو بوابتها الأساسية قبل ظهور الإنترنت ومواقع السوشيال ميديا على الساحة.
تستطيع أن تكتشف حجم المحبة الحقيقية التي تركها إرثاً ورحل سريعاً بسهولة من مجرد طرح اسمه أمام أحد أبنائه أو تلامذته المخلصين لترى الترجمة الحرفية للمشاعر الإنسانية وهي تتحول من مجرد كلمات قد تطرق أذنك لتخرج من الأخرى إلى بركان من العواطف التي تشعر معها بأن من رحل ليس مجرد كاتب، لم يسمع به البعض ربما ولكن لم يكن ذلك لينتقص من مكانته مثقال ذرَّة.

تشييع جثمان أحمد خالد توفيق من مسجد السلام بـ طنطا

شاهد: تشييع جثمان د. أحمد خالد توفيق من مسجد السلام بطنطاللاطلاع على 50 مقولة يحبها القرَّاء لـ أحمد خالد توفيق| https://goo.gl/FyuYCL#أحمد_خالد_توفيق#صوت_الميديا

Posted by ‎إعلام دوت أورج – e3lam.org‎ on Tuesday, April 3, 2018

لم تكن الصدمة متوقعة أبدا في ذلك الوقت بالذات، ديدن الحياة التي تجعلك تصدق أن الروتين والملل المعتادين لن يغير من وقعهما شيئا على الإطلاق. فقط مع خبر مثل هذا الخبر تكتشف أنك كنت أحمق كالعادة، الحياة أقصر من أن تكون مملة رتيبة ولكن أنت من ترك خلفه هذه القائمة من الأعمال التي دائما لديك القدرة على إنجازها، من ضمنها ذلك اللقاء المؤجل الذي قلت لنفسك مرارا وتكرارا أنه سيتم في يوم ما، وما عساه يمنع فالأيام القادمة أكثر مما مضت وكاتبك المفضل هنا أمامك طيلة الوقت، تعلوا أعماله أرفف مكتبتك وأدراج مكتبك، وتمتلئ بها خزائنك، وكلما غلبك اشتياقك إليه تذهب وتحتضن بعض الوريقات والسطور لتحملك إلى عالمكما الخاص وهكذا لا يتم اللقاء أبدا ويظل كاتبك الأثير على الرفوف ويقتلك طول الأمل لتكتشف أنه رحل بصدمة مفاجئة تبعثرك من الداخل وتهز كيانك هزا.

نرشح لك: 5 أخطاء في أغنية “كايروكي” المهداة لـ أحمد خالد توفيق

عندما وقعت عيني على الخبر لم أستوعبه ولم أصدقه، ظننتها كذبة إبريل، دعابة سخيفة ألقاها أحد التافهين وصدقها الأوغاد في زحمة السوشيال ميديا التي لم تعد تفرق بين الحقيقة والأوهام.
ثم لا، كيف تكون مزحة، أعتقد أنه لم يولد بعد من يزج باسم شخص مثل الدكتور أحمد خالد توفيق في دعابة شرسة كهذه، إذن هو خطأ غير متعمد، طبيب غير مسئول من داخل المستشفى التي يتلقى فيها علاجه قال كلمة لصديقه الذي لا يعرف وقع إشاعة كهذه على جمهور عريض مثل جمهور الدكتور.

حسنا، لقد تلقيت الرسائل التي أنبأتني بوفاته من أكثر من جهة فلم أهتز، جال بخاطري كل هذه الأفكار في جزء من الثانية وانتهى الموضوع بابتسامة بلهاء غير مصدقة. أخذت أعبث بهاتفي باحثة عن تكذيب فلم أجد. نظر البعض في وجهي صارخا: “أنت على وشك دموع”، أنظر للجميع في غير تصديق كيف يمكن أن أبكي دون أن أشعر بألم أو حتى دون أن أشعر بدموع في عيني!.

نرشح لك: أبرز 20 كتاب لـ أحمد خالد توفيق

نصف ساعة مضت بين الذهول والبحث وعدم التصديق حتى بات الأمر حقيقة لا ريب فيها.
وعندما بدأ البكاء خفيفا هشا بدأ معه الألم الذي أخذ في النمو حتى تبين أن رحيله لن يكن سهلا أو حدثا عاديا أبدا. تخيل أن جزءا من طفولتك ثم مراهقتك ثم شبابك وها هي أبواب الكهولة التي تلوح في الأفق ولم يغب هو فيها أبدا، كل هذا يذوب بداخلك ويختلط لتصبح نفسيتك عجين.

كان دائما المهرب والملاذ منذ الصغر، كيف رحل هكذا دون مقدمات، ليأتيك صوته قائلا: “يا حمقى أوليس من حقي أن أرتاح بعد معاناة مع تلك الأمراض القلبية التي أنهكتني، بعد رحلتي التي لم تكن وردية مع الحياة التي أوجعتني؟!” صوته الذي صاحب خيالي دهرا لم يختفِ هكذا ولا أحسبه يزول بعد عمر ولكنه الفراق الذي خدعنا وترك الكتب فوق الأرفف تكاد سطورها تفر هاربة وراءه.

نرشح لك: الرواية التي تنبأ فيها أحمد خالد توفيق بموعد وفاته

لم يأخذ حقه تكريما وهو حي يرزق ولكن من قال أن ذلك يهمه؟وألا تكفيه المحبة والدموع والابتهالات والدعاء بالرحمة؟ كان العراب يعلم مكانته في القلوب جيدا ولكن أخاله لم يكن ليستوعب أنها ستكون بهذا القدر الذي تكاد تمشي معه على قدمين.

رحل العراب ليعلمنا كما كان يعلمنا من قبل، أن قصر الحياة لا يجوز معه اللقاءات المؤجلة، أن طول الأمل دون حراك لا يفيد، أنه ليس على هذه الأرض إلا الفانون، لا ثوابت هنالك، ولا رتابة تبقى لأنها أحيانا تكون نعمة ونحن لا ندري فلما كثرة الشكوى؟.

نرشح لك: 50 مقولة يحبها القرَّاء لـ أحمد خالد توفيق

بعد أربعين يوما لا تزال الذكرى الطيبة ملئ السمع والأبصار وأظنها لتبقى طوال الزمن.. فمن يملك أبناء مخلصين تسارعوا ليغيروا شكل المقابر ويحولوا قبره إلى كتاب عملاق ليخلدوا ذكراه وأعماله وحبه في القلوب لا يمكن أن يتلاشى، وتسارعوا ليؤازروا بعضهم البعض دون سابق معرفة أو صداقة، ومنهم من سعى ليعلم أطفاله كيف تكون محبة العراب، هم بالطبع أشخاص يمكنهم إحياء ذكرى الراحل طيلة أعمارهم والتي ستضيف لعمره حتى وإن غاب عنا.

نرشح لك: بعد التجليد.. رسائل مريدي أحمد خالد توفيق

هو رحل ولكنه باق بكل شيء، بصوته الخجول الدافئ، وبجمله القصيرة المعبرة، وبسخريته من كل القوالب التي قضى البعض أعمارهم في تقديسها. وداعا أيها الغريب من قلوب تبرعمت على كل حرف كتبته.. كانت إقامتك قصيرة كما خُيل لك، ولكنها كانت رائعة وممتعة بقدر ما كان رحيلك موجعًا..

الوسوم
إغلاق
إغلاق