حصري

سميرة سعيد.. شهرزاد التي لا تتوقف عن الغناء

محمد حمدي سلطان

1- احكي يا شهر زاد

قمت من نومى مفزوعًا على صوت الكورال الصاخب – القادم من سماعات الدى جى المنصوبة بالشارع – وهو يزعق قائلاً: “ألف ليلة وليلة قصة كل ليلة”، وبينما الكورال يعيد ويزيد ويكرر فى نفس الجملة بدأب وحماس غريب، لم يحتج عقلى إلا لجزء من الثانية ليدرك حقيقة أننى كنت أنام وسط فرح منصوب على بعد خطوات قليلة من سريري، حيث كانت تقع شقة الأسرة بالدور الأرضي، ولحظي السيئ كنت نائمًا فى الغرفة التى يطل شباكها على الشارع مباشرة.

نرشح لك: شيرين تحيي حفل مباراة السوبر المصري بالإمارات

لم أكن قد استيقظت بالكامل لكنى أوشكت على الانفجار من شدة الغضب، الغضب الذى لم يستمر سوى لثواني قليلة جدًا، ثم تبخر تمامًا بعد أن جاءني صوت سميرة سعيد وكأنه قادم من عالم آخر ليستحث شهرزاد على مواصلة القيام بمهمتها الأسطورية “احكى يا شهر زاد احكي لشهريار.. اشغليله ليله لطلوع النهار”.. استسلمت تمامًا لصوت سميرة سعيد كما استسلم شهريار لحكى شهرزاد، وأنا أسال نفسي كيف لم انتبه إلى كل هذه الروعة من قبل؟ كيف لم أدرك عظمة صوت سميرة سعيد قبل هذه اللحظة؟ لماذا كنت أتعامل مع أغنياتها هى تحديدًا بحياد وتحفظ وعن بعد مع أنى فى هذه الفترة من عمري وبحكم مرحلة المراهقة، كنت أتورط فى محبة الكثير من المطربين والمطربات الذين أضحك على نفسى الآن كلما تذكرت تعلقى القديم بهم.

مر على هذا الموقف ما يقرب من 18 عامًا, وقعت خلالهم في غرام الديفا، وأصبحت سميرة سعيد هي مطربتي الأولى دون منازع، والفضل لحفل الزفاف العشوائي الجميل، وشقة الدور الأرضى، والدى جى “ابن اللاعيبة”.

2- سبعينيات.. أم كلثوم المغرب في مصر

بينما أم كلثوم الأصلية تلملم أوراقها، وتوشك على الرحيل عن عالمنا، بعد رحلة غناء ذهبية، ومسيرة فنية أسطورية امتدت لأكثر من نصف قرن، كانت الفتاة المغربية الصغيرة سميرة عبد الرازق بن سعيد تتلمس خطواتها الفنية الأولى بالقاهرة فى منتصف السبعينيات.

الفتاة التى لُقبت بأم كلثوم المغرب، وبدأت مسيرتها مع الغناء وهى طفلة بعمر 8 سنوات مثل أم كلثوم تمامًا، لم تكن لتدرك في هذه اللحظة بأن ثمة تشابه آخر سيجمعها بكوكب الشرق، وهو أن سميرة سعيد ستنجح هى الأخرى فى تقديم مسيرة فنية حافلة تتجاوز النصف قرن. حيث تعتبر من أقدم الفنانات العربيات المستمرات على الساحة ليومنا هذا، برصيد ضخم مهول، فهى تمتلك فى تاريخها 46 ألبومًا، وأكثر من 500 أغنية، وما زال فى جعبتها الكثير.

تعاونت فى السبعينيات مع كبار الملحنين مثل محمد الموجى “يا دمعتى هدى” ومحمد سلطان “الدنيا كده” و”الحب اللى انا عايشاه” وحلمى بكر “بقى ده اسمه كلام” و”إيش جاب لجاب” أما بليغ حمدى فلحن لها “علمناه الحب”، وتعاون معها فى 4 البومات كاملة وهى “خلاص حبينا ” و”توهة” و”أحلام الأميرة” و”ماليش عنوان” وهى كنوز فنية حقيقية تحتاج لمن يعيد اكتشافها من جديد.

3- مغربية القلب.. مصرية الروح

تقول سميرة سعيد أثناء استضافتها في إحدى البرامج: ” فى بداية مشوارى الفنى بمصر كان يقال عنى بالمغرب المطربة المهاجرة وفي مصر يقولون المطربة الوافدة ولم أعد أعرف أين هو وطنى”، ولكن معاناة البدايات لم تستمر كثيرًا، وإن بقيت بعض المنغصات تحدث من حين لآخر.

تعود سميرة سعيد لتؤكد على أن غناءها باللهجة المصرية، لم يؤثر على شعبيتها فى بلدها المغرب – كما يقول البعض – وأن حفلاتها هناك تشهد إقبالاً جماهيريًا منقطع النظير, وهو أمر منطقى فمن حق المغاربة أن يفتخروا بامتلاكهم لهذه الموهبة العظيمة، حتى ولو غنت بلهجة أخرى.

تؤمن سميرة سعيد بأن الفن لا يعرف جنس أو عرق أو لون، ولكنها اصطدمت في بدايتها بمصر ببعض من يملكون عقلية “الموظفين” ضيقى الأفق، محددوى التفكير، فأغنية رأئعة مثل “إحكى يا شهرزاد” لم تكن لترى النور، أو نسمعها بصوت سميرة سعيد أبدًا، بسبب أحد هؤلاء الذى رأى أنه لا يصح أن تقوم مطربة غير مصرية بغناء تتر “ألف ليلة وليلة” وهو عمل مصرى صميم، وبالفعل بعد أن سجلت سميرة سعيد الأغنية، وعادت للمغرب، جاءوا بمطربة أخرى لتغنيها، لولا أن تدخل جمال سلامة ملحن الأغنية، وأقنعهم أن أداء سميرة سعيد للأغنية أفضل بكثير، لتنتصر الموهبة في النهاية على العقلية المتحجرة.

وهذا لم يمنع أن يتكرر نفس الموقف مرة أخرى بعد سنوات طويلة، أصبحت خلالها سميرة سعيد نجمة من الطراز الأول، وتحمل جنسية مصرية لم تشفع لها، فبعد اختيارها لغناء أغنية حفل افتتاح بطولة كأس الأمم الأفريقية 2006 بمصر، خرجت بعض الأصوات المعترضة، والمطالبة باختيار صوت مصرى لهذه المناسبة الوطنية، لكن سميرة انتصرت من جديد على ضيقى الأفق، وخرج صوتها صادحًا من قلب ستاد القاهرة ليؤكد على أن “كلنا إنسان” وكأنها تغنى خصيصًا لهؤلاء الذين لا يفهمون أنها وإن كانت مغربية القلب والعقل، فهى مصرية الروح، وتنتمى في النهاية للفن الذى لا يعرف شيئًا اسمه جنسية. وربما بسبب هذا الإحساس الدائم بالانقسام ما بين المغرب ومصر، كنصف مغربية، ونصف مصرية، لم تشعر بالاكتمال إلا فى الغناء، ما جعلها تتخذه وطنًا حقيقيًا لها، وهو ما عبرت عنه صراحة فى أغنيتها “وطنى الغنا”.

 

4- تمانينيات.. قال جانى بعد يومين

بعد أن استوت موهبة سميرة سعيد على نار هادئة، جاءت حقبة الثمانينات كتوقيت مناسب تمامًا لتحقق فيه نجاحات جماهيرية كبرى، وكلمة السر لهذه الفترة هى الموسيقار الكبير جمال سلامة الذى لحن لها 3 أغنيات حققت نجاحات متتالية، جعلت لها رصيد ضخم عند جمهورها المتزايد بنفس سرعة تألقها الفنى، وهى أغنيات “إحكى يا شهر زاد” كما ذكرنا، و”قال جانى بعد يومين” أحد أنجح أغانى سميرة سعيد على مدار تاريخها كله، و”مش حاتنازل عنك أبدا” التى جاءت كتأكيد لمن كان يتشكك فى موهبتها، أو قدرتها على الإستمرارية، ويظن أن نجاحها مجرد “فرقعة” ستأخذ وقتها وتنتهى سريعًا. أما أشد المتفائلين بسميرة سعيد فى هذه اللحظة، فحتى هؤلاء لم يكونوا ليتخيلوا أبدًا ما ستفعله الديفا فى سنواتها القادمة.

5- تسعينيات.. سنوات النضج والتوهج

في زمن حميد الشاعرى والعصر الذهبى لما سمى بالأغنية الشبابية، استطاعت سميرة سعيد أن تحافظ على مكانتها بثبات، في وقت كانت الساحة الغنائية فيه تهتز، وتشهد انقلابًا حقيقيًا. أسماء جديدة تظهر، وأسماء قديمة تختفى، أشكال موسيقية تندثر، وأخرى حديثة تأخد مكانها.

نجحت سميرة سعيد – وهى القادمة من مدرسة الطرب والغناء الشرقى الأصيل – فى أن تخلق توازنًا مقبولاً وذكيًا ما بين متطلبات العصر، والشكل الغنائى الذى اعتادت على تقديمه، فوضعت قدمًا مع الموجة الغنائية الجديدة، وأبقت الأخرى متأخرة قليلاً، إدراكًا منها أن تغيير جلدها الموسيقى في هذه الفترة التى اتسمت بالارتباك، يجب أن يتم بالتدريج، وعلى أكثر من مرحلة، فجاءت أغنياتها في النصف الأول من التسعينيات، شبابية الروح، ولكنها لا تخلو من مذاق شرقى أصيل.

أظن لا أحد ممن عاصروا هذه الأيام يستطيع أن ينسى أغنيات مثل “غروب وشروق” و”بشتاقلك ساعات” و”مابحبش الخصام” و”لعلمك انت” و”خايفة ” و”والله عيونك قالت” وغيرها كثير، فمثلما قلنا على أغنياتها فى السبعينيات، فهذه الفترة الخصبة في مشوار سميرة سعيد مليئة أيضًا بالأعمال العظيمة التى تحتاج لمن يعيد اكتشافها من جديد، فهى سنوات توهج الديفا، والمرحلة التى وصلت فيها إلى قمة نضجها الفنى، فثبتت أقدامها، ومهدت أمامها الطريق لتصبح مستعدة تمامًا للطوفان القادم.

6- Strong Independent Woman

أثناء استضافتها فى برنامج عمرو أديب كشفت سميرة سعيد لأول مرة عن أن أغنية “أكتبلك تعهد” ظلت لديها لعامين, ورغم إعجابها الشديد بالأغنية، قررت في النهاية ألا تغنيها لأنها رأت أن كلماتها لا تشبه شخصيتها، فهى كما تقول عن نفسها “مابحبش العلاقات اللى فيها إذلال للمرأة” والمستمتع المخضرم، والمتعمق في أغنيات سميرة سعيد، سيدرك جيدًا معنى هذا الكلام، فهى أكثر مطربة متسقة مع نفسها، ولا تغنى إلا ما يليق عليها، ويعبر عن شخصيتها، ولا أبالغ أبدا لو قلت أن سميرة سعيد هى أكثر مطربة تهتم بجودة كلمات أغنياتها، وتدقق في اختيار كل حرف تغنيه.

أما عن تزعمها للحركة الغنائية النسائية فهى الصدارة بلا شك، هذه النوعية من الأغانى والتى من الممكن أن نسميها تجاوزًا، أو على سبيل الهزار، أغنيات “الردح” أو “التقطيع في الرجالة” ظهرت في البداية على استحياء، ثم تحولت بعد ذلك إلى ظاهرة حقيقية، أو ما يشبه “الموضة” وأصبح هناك توجهًا عامًا لدى الكثير من المطربات على تقديمها، فلم يعد يخلُ أى البوم جديد لأى مطربة من أغنية أو أغنيتين على الأقل في هذا الإطار.

وكأى رجل فبطبيعة الحال لم تستهوينى كثيرًا هذه الأغنيات، لم أحبها وكنت أنفر منها تمامًا إلا إذا جاءت من الديفا، فعندما تغنيها سميرة سعيد تحديدًا يتبدل مزاجى ويتغير 180 درجة، وأتحول فجأة لحسن عابدين فى فيلم “درب الهوى” والإفيه الشهير الذى قاله “أنا عايز واحدة تهزقنى تهزقنى تهزقنى” ربما لأننى أعشق سميرة سعيد، أو لأنها تمتلك قدرة عجيبة على التأثير والإقناع.

ولذلك فأنصح منظمات حقوق المرأة إذا أردن أن يحققن تقدمًا ملحوظًا فى المطالبة بحقوق المرأة، ويكسبن تعاطف قطاع غير قليل من الرجال، فليس أمامهم إلا تنصيب سميرة سعيد كزعيمة للحركة النسائية في مصر.

7- الألفية.. ديفا كل العصور

في أواخر التسعينيات تعاونت سميرة سعيد مع شركة “ميجا ستار” وقدمت معهم 3 ألبومات هى “ع البال 1998″ و”روحى 1999” والألبوم الأخير “ليلة حبيبى” والذى صدر في عام 2000. هذه الألبومات الثلاثة شكلت خطوة أخرى نحو التجديد والتطور، وتغيير الجلد الموسيقى لسميرة سعيد، نستطيع أن نعتبرها مرحلة وسط بين ما سبقها في النصف الأول من التسعينات، وما ستقدمه لاحقًا في سنوات قادمة.

هذه الخطوات الفنية المدروسة بعناية هى ما جعلت سميرة سعيد تقف على أرض صلبة، فعندما حدث انقلاب موسيقي آخر، وظهرت موجة غنائية جديدة في بدايات الألفية، كانت سميرة سعيد مستعدة هذه المرة بشكل أكبر، لتتصدر المشهد، وتنجو من طوفان الموجة الجديدة الذى أطاح بالعديد من نجوم ونجمات التسعينيات.

اكتمل التغيير المنشود وبدأً من هذه اللحظة سنرى سميرة سعيد مختلفة تمامًا من حيث الشكل والمضمون، ففى خلال 6 أعوام تعاونت فيها مع محسن جابر وشركته ” عالم الفن ” قدمت 3 ألبومات هى “يوم ورا يوم 2002″ و”قوينى بيك 2004″ و”أيام حياتى 2008″ وهنا يجب أن نتوقف كثيرًا، فهذه هى المرحلة الذهبية في تاريخ سميرة سعيد بعد أن وصلت لذروة النجاح الجماهيرى الكاسح, فهذه الألبومات الثلاثة حققت نجاحًا مدويًا و”كسرت الدنيا” بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وأغنية “يوم ورا يوم” تحديدًا تعتبر من أيقونات الألفية الجديدة، فهى أحد أنجح وأشهر الأغنيات فى السنوات الـ 20 الأخيرة.

ويبقى النجاح الأكبر وأهم ما فعلته سميرة سعيد فى هذه المرحلة هو نجاحها فى خلق جماهيرية كبيرة لها فى أوساط شباب، ربما لم يكن أغلبهم قد ولد بعد عندما بدأت مشوارها الغنائى.

8- موهبة عظيمة .. ذكاء أعظم

سألتها إسعاد يونس عندما استضافتها منذ أيام قليلة في برنامجها الجميل “صاحبة السعادة” عن سبب حرصها الدائم على الظهور بـ”لوك” جديد كل فترة، فجاءت إجابة سميرة سعيد لتكشف عن أحد أسرار بقائها متوهجة لكل هذه السنوات، فهى ترى أن “الفن ضد الملل والرتابة” ولخصت المسألة بجملة بسيطة وعبقرية “مابحبش ابقى شبهى ومابحبش شغلى يبقى شبه بعضه” فهى تبدو في حالة بحث دائم عن كل ما هو جديد، ومختلف وغير تقليدى، لا تنقصها روح المغامرة ولا الجرأة اللازمة للدخول فى أتون التجربة المحفوف دائمًا بالمخاطر، ولكن المغامر يحتاج إلى ذكاء من نوع خاص وإلا كانت خسائره فادحة ولا تعوض. وأنا أستطيع أن أؤكد على أن سميرة سعيد تتكون من 100% موهبة، ومليون في المية ذكاء فنى شديد الندرة، فكل ما قدمته طوال مشوارها الفنى ينطق بهذه الموهبة العظيمة، وهذا الذكاء الأعظم.

9- ما زال أم الاعتزال؟

بعد ألبوم “أيام حياتى” فى 2008 ابتعدت سميرة سعيد وغابت لفترة طويلة جدًا، بررت هى هذا الابتعاد عن الساحة بسبب انهيار صناعة الكاسيت، بعد مأساة “القرصنة” على الإنترنت، وأيضًا بسبب ما حدث في المنطقة من ثورات الربيع العربى.

ظن البعض أنها النهاية، لكنها عادت فى 2014 بأغنية “ما زال” باللهجة المغربية، وكأنها توجه رسالة للجميع بأن سميرة سعيد ما زال لديها الكثير لتقدمه، وهو ما أكدته بشكل عملى في العام التالى، بألبومها الأخير “عايزة اعيش” والذى حقق نجاحًا فاق حتى توقعاتها هى نفسها، فأغنيات مثل “هوا هوا” و”ماحصلش حاجة” صنعت حالة غريبة بين الناس على مواقع التواصل الاجتماعى، وتقريبًا كانوا أنجح وأشهر أغنيات عام 2015.

رغم كل هذا التوهج والنجاح المدوى عاد الحديث عن اعتزال سميرة سعيد للغناء ليتردد من جديد. سميرة سعيد نفسها لا تنفى أو تؤكد، فقط توضح “كل شىء له عمر افتراضى .. لم أقرر الاعتزال بعد فأنا فى مرحلة لسه بفكر.. إنما كل شىء له نهاية” ورغم أن كلامها منطقى تمامًا إلا أننى أشك كثيرًا فى قدرتها على اتخاذ مثل هذا القرار الصعب، ولا أتخيل أن تبتعد سميرة سعيد ولو يومًا واحدًا عن الغناء، فمثلما ستبقى شهرزاد فى مخيلتنا إلى الأبد، وهى تواصل حكيها لشهريار عبر ألف ليلة وليلة لا تنتهى، ستبقى الديفا – التى لا تقل أسطورية وعظمة عن شهرزاد – تواصل الغناء ولن تتوقف أبدًا.

 

 

للتواصل مع الكاتب: محمد حمدي سلطان

الوسوم
إغلاق