الأحد , نوفمبر 19 2017
الرئيسية / رؤية / علاء الغطريفي يكتب: حتى لا نشارك في صحافة الفبركة!
صحافة الفبركة

علاء الغطريفي يكتب: حتى لا نشارك في صحافة الفبركة!

2017/03/20 10:21:01 مساءً

نقلا عن “المصري اليوم”

لم يكن «والتر ديورانتى»، مراسل «نيويورك تايمز» فى موسكو، خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضى، يدرك أنه سيكون أحد النماذج التى يذكرها التاريخ عن «الأخبار المفبركة»، ففى ظل إعجابه بأيديولوجية ستالين ورفاقه، أساء إلى الإنسانية، كتب يوما ما أن الأوكرانيين «ينعمون بأسواق قراهم المتخمة بالبيض والفواكه والدواجن والحليب والزبدة»، فى حين كانت البلاد تعانى المجاعة، التى خلَّفت وراءها ضحايا بسبب الجوع والحاجة.

«ديورانتى» وغيره ينتشرون بيننا بإلحاح بسبب الظرف الحالى والبيئة الصالحة لمثل هذا النوع من الصحافة، سواء فى الداخل أو الخارج، فشيوع الميل للتصديق من جانب الجمهور صارت مساحته أكبر، فى ظل مواقع التواصل الاجتماعى، التى تحولت إلى منصات للأخبار المفبركة، وسقطت مؤسسات إعلامية فى تلك الدائرة، وباتت ناقلة لهذا الفيروس.

فى الحالة المصرية، الأمثلة بالطبع كثيرة فى تاريخنا الحديث، وتكفينا تداعيات السنوات الست الماضية، فقد هيأ المناخ للناس تصديق كل ما يصل إليهم بسبب الصراع والاستقطاب السياسى والولاءات المتباينة، وتسابقت منصات الأخبار فى بث دعايات وقصص غير مدققة وجلب موضوعات من السوشيال ميديا دون الالتزام بمعايير مهنية قبل النشر، لا نستثنى هنا أحدا، فهناك مَن كان متعمدا، وآخر كان مهملا، وثالث أساء التقدير.

لم تكن قصة سارق الشيكولاتة، الأسبوع الماضى، سوى مثال حقيقى على سطوة الأخبار المفبركة، يدفع بنا إلى لحظة للمراجعة، فحتى الانقسام، الذى بدا على صفحات التواصل الاجتماعى، جاء أولاً من غيبة المعلومات، فقد تحولت المهنة إلى رهينة لدى مواقع التواصل الاجتماعى، وأصبحنا- نحن الصحفيين- مثلنا مثل المستخدمين العاديين، مجرد كائنات افتراضية، ترسم عالمها بكل انحيازاته دون النظر إلى الأمور من مختلف الزوايا أو اتخاذ خطوة إلى الوراء، وسط فيضان التعاطف، لنفكر كصحفيين نلهث وراء الحقيقة.

بالتأكيد لم تنْجُ أى مؤسسة إعلامية من الأخبار المفبركة، العجلة لا تصنع سمعة على المدى الطويل، بل تضعك فى مصاف المنابر الرخيصة، التى يلتف حولها الناس لفترة، غير أنها سرعان ما تسقط فى هوة النسيان، ويظل المنبر الجاد الذى يحترم جمهوره باقيا فى الأذهان، لمجرد أن صُنَّاعه وضعوا لأنفسهم مُدوَّنة سلوك لنقل الواقع كما هو دون تزيُّد أو خداع، وتمسكوا بفضيلة التوثيق.

السبت الماضى، بادر النادى الإعلامى، بدعوة من الزميلة نهى النحاس، ليصنع حوارا حول الأخبار المفبركة، بمشاركة من أحمد الشيخ، الصحفى المصرى المقيم فى لندن، صاحب تجربة «30 فبراير»، للتحقق من الأخبار المفبركة، قطعا لن تكفى المساحة لأعالج النقاش الذى دار، فالتشخيص نلمسه جميعا، ومن ثَمَّ ألخص توصيات ما توصل إليه فى الجلسة مع زملاء أعزاء، فى نقاط لعلها تجد صدى لدى القائمين على المهنة:

تغيير ثقافة غرف الأخبار فى الميديا المصرية، فليكن المبدأ: «خسارة خبر أفضل كثيرا من خسارة المصداقية والسمعة المهنية».

الالتزام بمعايير التدقيق والتحقق وشيوع ثقافة الاعتذار.

إنشاء مؤسسة محايدة لتدقيق الأخبار وتكرار تجربة التقرير، الذى كان ينتجه المجلس الأعلى للصحافة عن الممارسة المهنية.

وضع معايير عند الاعتماد على مواقع التواصل الاجتماعى كمصادر للأخبار.

تأهيل مديرى الأخبار والصحفيين ومحررى مواقع التواصل الاجتماعى بالتدريب للوصول إلى صيغة لتجنب تلك الأخطاء.

تعزيز صورة مؤسسات المحتوى الجاد أمام شركات الإعلان وتجنب إغراء الترافيك دون إنفاذ المعايير المهنية.

فى تلك الحياة هناك ما يستحق أن تجاهد من أجله إذا رغبت أن تكون صحفيا يحمل بداخله ضميرا، فالدرس الأول فى مهنة الصحافة أنه ينبغى على كل قصة أن تكون بحثا صادقا ونزيها عن الحقيقة، فابحثوا عن الحقيقة، فهى الملاذ والنجاة.