رؤية

إبراهيم البحراوي: نظرة نقدية أنثوية لمسلسل حارة اليهود!

ابراهيم البحراوي
إبراهيم البحراوي

لا شك أن مسلسل «حارة اليهود» عمل شديد الثراء من النواحى التاريخية والفكرية والفنية، فقد بذل مؤلفه جهدا ملحوظا فى دراسة التاريخ السياسى والاجتماعى للفترة التى يكتب عنها فى الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين، فجاء الإطار التاريخى للعمل الدرامى صحيحا. أما من ناحية الرؤية الفكرية فجوهرها واضح فى العمل وعند المؤلف؛ حيث إنه تبنى التعريف السياسى للصراع العربى الصهيونى باعتباره صراعا نشأ مع الحركة الصهيونية التى أطلقت مشروعا استعماريا لاغتصاب فلسطين وتشريد شعبها.

من هنا جاء سعى المؤلف الواضح فى العمل وعلى ألسنة أبطاله لمعارضة التعريف الدينى للصراع باعتباره صراعا بين الإسلام واليهودية. لقد أثار المسلسل ردود أفعال متضاربة، من جانب الإسرائيليين من ناحية ومن جانب المشاهدين المصريين طبقا لمواقفهم واتجاهاتهم الأيديولوجية من جانب آخر، وهما الطرفان اللذان تعجلا فى إطلاق الأحكام على رسالة المسلسل. لقد نقل الصحفى الشاب أحمد الجزار فى «المصرى اليوم» يوم الأحد ٢١ يونيو التعليق الذى سجلته السفارة الإسرائيلية على صفحتها بفيس بوك، بعد إذاعة الحلقة الأولى، حيث قالت (شاهدنا فى سفارة إسرائيل الحلقة الأولى من المسلسل المصرى حارة اليهود، ولقد لاحظنا لأول مرة أنه يمثل اليهود بطبيعتهم الحقيقية الإنسانية كبنى آدمين قبل كل شىء، ونحن نبارك على هذا). طبعا تصورت السفاره أن المسلسل سيبقى محصورا فى نطاق المعالجة الاجتماعية التى تركز على اليهود الطيبين، فباركته بعد الحلقة الأولى، وعندما بدأت المعالجة تمس الصراع مع الصهيونية وحرب ١٩٤٨ تراجعت السفارة عن مباركتها المبكرة، وصبت غضبها على المسلسل. لقد نقل الصحفى الشاب محمد أبوالعينين بـ«المصرى اليوم» بتاريخ ٢٥ يونيو بيان السفارة الثانى بفيس بوك، الذى يقول (شعرنا بالأسف الشديد خلال متابعتنا مسلسل حارة اليهود، إذ بدأ يأخذ مسارا سلبيا وتحريضيا ضد تل أبيب، حيث استخدم شخصيات يهود الحارة كقناع ليعاديها، ويصورها كعدو وحشى يريد الفتك بالجميع).

على الجانب الآخر تعجل بعض المصريين الحكم بعد ثلاث حلقات، فأصدروا حكما بأن المسلسل يدعو للتطبيع واتهموا المؤلف مدحت العدل والمخرج محمد العدل بالترويج للصهيونية وتأييد التطبيع مع إسرائيل، حسبما قال المخرج لـ«المصرى اليوم» بتاريخ ٢١ يونيو. إن هذا فى مجمله يبين خطأ التعجل فى الأحكام، وهو الخطأ الذى يؤدى بأصحابها للتراجع عنها. أعتقد أنه سيكون فى مقدورى مناقشة المسلسل تفصيلا مع اكتمال حلقاته، غير أننى أتوقف اليوم مع النظرة النقدية الأنثوية المشار إليها بالعنوان.

لقد جاءتنى من مشاهدة مثقفة ملاحظة نقدية ذكية لا تصدر إلا عن عين أنثوية ثاقبة. فقد كتبت لى تعبر عن غضبها من التحيز لدى المؤلف والمخرج لتصوير ليلى اليهودية المصرية فى صورة اجتماعية وأخلاقية ملائكية، مع تعمد تقديم البطلة الثانية وهى منافستها المسلمة فى حب الضابط.. الشابة ابتهال.. فى صورة اجتماعية وأخلاقية مقززة للمشاهد تصل إلى حد الشيطنة. إن هذه الملاحظة النسائية تستحق منى ومن المؤلف الاهتمام، وأرجوه أن يبين لنا لماذا لم يضع ابتهال المنافسة المسلمة فى حب الضابط فى إطار اجتماعى متكافئ ومشابه لإطار ليلى اليهودية، فتكون مثلا ابنة أحد التجار المسلمين المحترمين فى الحارة! لقد ظهرت ليلى اليهودية فى إطار اجتماعى مقبول، فهى ابنة هارون، تاجر الأقمشة المحترم من جيرانه المسلمين والمسيحيين، هذا فى حين تظهر الفتاة المسلمة ابتهال فى إطار اجتماعى متدهور، حيث الأب هو المعلم العسال الفتوة الذى يثير الرعب فى قلوب أهل الحارة، ويفرض عليهم الإتاوات، حتى لا يتعرضوا للبطش، وهو يظهر فى صورة كريهة، على عكس هارون، والد ليلى اليهودية.

كان من الطبيعى- بما أن الفارق الاجتماعى والأخلاقى شاسع بين الفتاتين المتنافستين فى حب الضابط- أن تظهر ليلى اليهودية فى صورة المنافسة المحببة للمشاهد، فى حين تظهر ابتهال المسلمة فى صورة الشخصية الحقود التى تلجأ إلى وسائل خسيسة للفوز بقلب الضابط. أرجو أن يكون الله فى عون المؤلف، وهو يجيب عن هذه الملاحظة النقدية الأنثوية أو النسائية، لأن مسار الأحداث حتى الحلقة الخامسة عشرة أكد للمشاهد التفاوت بين صورتى الفتاتين. الأولى الصورة الملائكية لليلى اليهودية التى تفانت فى حب الضابط طوال مدة غيابه فى الأسر الإسرائيلى فى حرب ١٩٤٨ ثم اضطرت بعد قيام البعض بإحراق محل أبيها ووقوعه بالتالى فى أزمة مالية عاتية إلى أن تضحى بحبها وهى كارهة، وتقبل الزواج من الثرى اليهودى صفوت، تحت ضغط أمها لتنقذ أباها من مشاكل الإفلاس. إن صورتها الملائكية كعاشقة مخلصة للضابط المسلم تتواصل أيضا عندما ترفض التوقيع على عقد الزواج من اليهودى الثرى فى اللحظة الأخيرة، عندما ترى الضابط وقد عاد من الأسر. وهكذا تكون ممزقة بين عاطفتين نبيلتين الأولى تجاه أبيها هارون والثانية تجاه حبيبها على. بعد ذلك يحول المسلسل ليلى إلى ضحية نتيجة لتحجر مشاعر الضابط حيالها، ومن هنا يصبح الصد العاطفى من جانب الضابط معادلا موضوعيا عند ليلى من وجهة نظر المؤلف للاضطهاد العنصرى النازى ليهود أوروبا الذى دفعهم للفرار من أوطانهم الأوروبية والالتحاق بالصهيونية، كما فعلت ليلى.

أعتقد أن الخطأ الذى وقع فيه المؤلف هو إعطاء إيحاء بأن هناك مبررا مقبولا لشطط الانقلاب فى مشاعر الحب عند ليلى تجاه الضابط وما ترتب على هذا الانقلاب من شطط الانتكاس فى عاطفة انتمائها لوطنها مصر. لقد انقلبت مشاعرها من الحب للضابط إلى كفر بحبه، وأعلنت فى الحلقة الرابعة عشرة، بعد أن قررت السفر إلى إسرائيل مع موسى أخيها الصهيونى، كفرها بعلى وبالحارة وبالوطن، أى مصر. إن هذا إعلان لا يزول أثره من ذهن المشاهد، حتى إذا تراجعت ليلى عن كفرها فى الحلقات الباقية.

فى المقابل، يقدم المسلسل صورة المسلمة المنافسة (ابتهال) فى حالة تدهور مستمر، حيث تفر من البيت، وتلتحق بالعمل كراقصة فى الكباريهات، وتنجو من محاولة قتل من جانب أبيها ثأرا لشرفه لتواصل مسيرتها الجديدة المتدهورة. أضيف هنا ملاحظة، وهى أن المؤلف كذلك يصور تريز الجارة المسيحية فى صورة سلبية هى الأخرى، حيث يكتشف زوجها أنها تخونه مع الشاب موسى، شقيق ليلى، وبهذا تصبح صورة الفتاة المسلمة ابتهال والزوجة والأم المسيحية تريز صورة كريهة لتستأثر ليلى اليهودية بالصورة المثالية فى الحارة. لعل المؤلف لم يتوقع هذه النظرة النقدية النسائية التى وضعت أساسها المشاهدة الذكية أمامى. هنا يجب أن نعلم أن هناك صديقات لهذه المشاهدة مسلمات ومسيحيات يشاركنها النظرة النقدية التى لم أفعل سوى تقديمها واكتشاف الأسانيد التى تدعمها فى منطق الأحداث. ولنا عودة مع المنطق الفكرى والسياسى فى المسلسل الذى تضمن فى الحلقه ١٣ استخدام الآية رقم ٨٢ من سورة المائدة بالقرآن الكريم على لسان شقيقة الضابط وتخريجا لها على لسان الضابط نفسه: «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً للَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً للَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ».

نقلًا عن جريدة “المصري اليوم”

اقـرأ أيضـاً:

سؤال غريب عن بكار أصاب المؤلف بصدمة

علي ربيع.. “البلاهة” لا تصنع نجم شباك

جمهور تويتر يدعو لـ “عزت أبو عوف”   

نيشان: “رامز واكل الجو” مش تمثيل

مقاضاة دريم والإبراشي ومرتضى بسبب أحمد الميرغني 

عمر طاهر يكتب : ذبح أحمد الميرغنى بإسم رئيس الجمهورية

مذيعة لبنانية تسترخي على الهواء

حفل إفطار مدير أمن بورسعيد ..جه يكحلها عماها (!!)  

صورة لمحافظ الإسكندرية تظهر في تغطية قتلى الإخوان بأكتوبر

.

الوسوم
إغلاق
إغلاق